كيفية حدوث الهجرات : إن
الآراميين الذين حكموا مناطق عديدة من شمال ووسط سورية
الطبيعية وكانت لهم فيها بضعة ممالك ، كانوا قد قدموا من شبه
الجزيرة العربية هم وأبناء عمومتهم العموريون والكنعانيون
والفينيقبون ، وجميعهم من أصول واحدة يسميها الغربيون ساميين
ونسميها نحن شعوبا عربية ، وتعود أسباب هجراتهم إلى التغيرات
المناخية ، التي كانت تحدث في شبه الجزيرة العربية حيث تتعرض
بعض مناطقها، إلى الجفاف يؤيد ذلك ما كان عليه وادي السرحان
الذي كان يجري جريانا دائما كالنيل، والذي أصبح قبل أكثر من
ألفي سنة عبارة عن واد سحيق من الرمال ومقفر من الحياة
النباتية . فكانت تخرج جماعات من السكان هم وقطعانهم، إلى
المناطق الشمالية حيث الأنهار دائمة الجريان التي تنبع من
الجبال المرتفعة، كنهر العاصي ونهري دجلة والفرات.
و لم تكن هذه الهجرات تحدث بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة ، بأن
تخرج موجة بشرية من مكان إقامتها لتحط رحالها في مكان آخر، لكن
هذه العملية كانت تأخذ منحى آخر، إذ تخرج قبائل وجماعات رعوية
من موطنها تجوب ذلك الفراغ الرعوي الذي يحيط بالمناطق الزراعية
متجهة نحر العراق وسورية ، حيث الماء والكلأ والمرعى الأوفر
وقد صار هذا الارتشاح البشري المستمر دون انقطاع بمثابة مستودع
بشري متحرك . وتكون هذه الهجرات سهلة حينا وصعبة بل وعسيرة
أحيانا أخرى، وكانت هذه العملية تحصل كل ألف عام أو أكثر أو
أقل من ذلك ، وهذا ما كان قد حدث في جميع تلك التحركات البشرية
من الجنوب إلى الشمال .
يقول الباحث ((موسكاتي )) إن المناطق الثلاث : الجزيرة العربية
وسورية وما بين النهرين تكون وحدة جغرافية متماسكة الأجزاء
كانت في تلك الأزمان مسرحا رئيسيا للنشاط البشري، وإن جميع
الأقوام الذين مثلوا الأحداث التاريخية 0التي جرت عبر الزمن
والذين قاموا بأدائها بحكم طبيعة أحوالها قد انصهروا بهذه
الوحدة الجغرافية بمصير مشترك بحيث أن أي صدمة تصيب أحد هذه
الأجزاء الثلاثة تمتد انعكاسا إلى الأجزاء الأخرى.
كان العموريون يشغلون بالدرجة الأولى سورية الغربية (إبلا)
وكانت ماري عاصمتهم منذ الألف الثالثة ق .م . وكان الآراميون
ينتشرون في شبه الجزيرة العربية الداخلية من الحجاز واليمن
وصعودا إلى غرب بابل 0وكانت حران هي إحدى حواضرهم في البادية
وكان أهلها جميعهم من الرعاة أصحاب المواشي. وإن الأقوام الذين
هاجروا من شبه الجزيرة العربية إلى سورية وبلاد ما بين النهرين
من أكاديين وعموريين وكنعانيين وفينيقيين وآراميين وأنباط
وغساسنة ما هم إلا أقوام عربية قديمة وهذا هو السبب في صمودهم
أمام الغزوات الأجنبية التي هاجمتهم كالحثيين و التتر والمغول
والفرس ثم اليونان والرومان والبيزنطيين والصليبيين والفرنسيين
والإنكليز فاستطاعت أن تهزمهم جميعهم وأن تحتفظ بطابعها العربي
وستهزم الغزاة الجدد بإذن الله .