| |
|
|
جهل العرب بنوايا الحلفاء:
و لم يقدر الزعماء العرب حقيقة النوايا البريطانية الغادرة
حيال المنطقة العربية التي ستنفصل عن الدولة العمانية على
الرغم من صدور تقرير عن لجنة مؤلفة من مجموعة من العلماء
والخبراء البريطانيين الاستراتيجيين ومن الباحثين من الدول
الاستعمارية الأخرى، قوامها (200) عضو مهمتها القيام بإجراء
دراسات معمقة
عما يجب أن تفعله بريطانيا لإطالة عمر هيمنتها على العالم بعد
أن شاخت هذه الدولة العظمى التي لا تغيب الشمس عن
إمبراطوريتها. وبعد حوالي سنتين من الدراسة والتمحيص قدمت هذه
اللجنة تقريرها المنتظر عام (1907 ) م الذي حاز على رضا
وموافقة الحكومة البريطانية وأعدت العدة لوضع التوصيات التي
وردت فيه موضع التنفيذ عندما تسمح الظروف الدولية بذلك.
ومما لا شك فيه أن الزعماء العرب لم يكونوا على علم بهذا
التقرير الخطير وبالنيات المبيتة حول مستقبل بلادهم فالتقرير
كان في منتهى السرية لذا لم تصل أخباره إلى هؤلاء الزعماء
الذين كانوا معزولين عن العالم وعما يجري في كواليس الدول
العظمي من الخبايا وما يحاك فيها من المؤامرات .
وفيما يلي ملخص لما جاء في هذا التقرير:
- إن البحر المتوسط كان ما زال الشريان الرئيسي للحركة
الاستعمارية علي مدى التاريخ لذلك كان الخطر المهدد والأكبر
على حركة الاستعمار يأتي من العرب ويكمن في البحر المتوسط صلة
الوصل بين الشرق والغرب والذي مهد الديانات في حوضه ونشوء
الحضارات في أرضه وبشكل خاص فإن الخطر يكمن في شواطئه الجنوبية
والشرقية فعلى طول ساحله الجنوبي من الرباط إلى غزة ، وعلي
الساحل الشرقي من غزة حتى مرسين وأضنة (كيليكيا) وعلى الجسر
البحري الضيق الذي يصل آسيا بإفريقيا، وتمر فيه قناة السويس
شريان حياة أوروبا وعلي جانب البحر الأحمر وعلى طول ساحلي
المحيط الهندي وبحر العرب وحتى خليج البصرة حيث الطريق إلى
الهند والإمبراطوريات الاستعمارية في الشرق في هذه البقعة
الحساسة الشاسعة يعيش شعب واحد تتوفر له من وحدة تاريخه ووحدة
دينه ووحدة لسانه ومن أصالته كل المقومات الاجتماعية ومقومات
الترابط والاتحاد وتتوفر في نزعاته التحررية وفي ثرواته
الطبيعية وفي كثرة تناسله كل أسباب القوة والتحرر والنهوض .
وتساءل التقرير قائلا كيف نتصور أن يكون وضع هذه المنطقة إذا
توحدت بالفعل آمال شعبها والتقت أهدافه وإذا اتجهت هذه القوة
كلها في اتجاه واحد؟ ماذا لو أدخلت الوسائل التقنية الحديثة
ومكتسبات الثورة الصناعية الأوروبية إلى هذه المنطقة؟ ماذا
يمكن أن يحدث لو انتشر التعليم وعمت الثقافة في أوساط هذا
الشعب ؟ ماذا سوف يكون لو تحركت هذه المنطقة واستغلت ثرواتها
الطبيعية من قبل أهلها عند ذلك ستحل الضربة القاضية
بالإمبراطورية الاستعمارية وتتبخر أحلام الاستعمار بالخلود
ستتقطع أوصاله ثم يضمحل وينهار كما انهارت إمبراطوريات الرومان
والإغريق .
إن الخطر على كيان الإمبراطورية الاستعمارية كامن بالدرجة
الأولى في هذه المنطقة في تجمعها واتحادها حول عقيدة واحدة
وهدف واحد. فعلى كل الدول ذات المصلحة المشتركة أن تعمل على
استمرار وضع هذه المنطقة المجزأ والمتأخر، وعلى إبقاء شعبها
على ما هو عليه من تفكك وجهل وتأخر وتناحر وكوسيلة أساسية
مستعجلة لدرء الخطر يجب العمل على فصل الجزء الإفريقي من هذه
المنطقة عن جزئها الآسيوي وذلك بإقامة حاجز قوي غريب على الجسر
البري الذي يربط آسيا بأفريقيا والذي يربطهما معا بالبحر
المتوسط بحيث يشكل في هذه المنطقة وعلى مقربة من قناة السويس
قوة صديقة للاستعمار وعدوة لسكان المنطقة )).
البريطانيون يخدعون العرب:
كما أن الحسين بن علي لم يكن على علم باتفاقية سايكس - بيكو
التي تتناقض تناقضا تاما مع اتفاقه مع الحكومة البريطانية
بموجب المراسلات المتبادلة بينه وبين مكماهون نيابة عن الحكومة
البريطانية لكن الحكومة الفرنسية نشرت نص اتفاقها مع الحكومة
البريطانية كما أن الحكومة الروسية الجديدة نشرت نصها عندما
انسحبت من الحرب العالمية الأولى إثر قيام الثورة الشيوعية
فيها ولما اطلع عليها جمال باشا أعلم فيصلا بها لكن
البريطانيين أبلغوا الشريف حسين كذب ادعاء جمال باشا وزعموا
أنها من تركيباته للإيقاع بين العرب والحلفاء.
ومع ذلك فقد توجه سايكس وبيكو مهندسا الاتفاقية إلى جدة لتسريب
بعض نصوص الاتفاقية لنفس الشريف حسين وعلى الأخص إقناعه بقبول
مستشارين يكون لهم سلطة تنفيذية وعندما رفض الشريف حسين هذه
المقترحات قال كلايتون الذي حل محل مكماهون في مصر: ((إنني أظن
أن الأحداث ستكن أقوى منه ولسوف يضطر في نهاية الأمر إلى
القبول وإلا فسيسقط وهذا ما حدث فعلا إذ اضطر إلى التنازل
فنقله البريطانيون إلى قبرص حيث أصبح أسيرا أو لاجئا لديهم
ووافته المنية هناك ولما شعر العرب أن البريطانيين يخدعونهم
كان جمال باشا قد قطع الحبل نهائيا مع العرب عندما تورط في شنق
زعمائهم في بيروت ودمشق عامي 1915 و 1619 فقبلوا رغما عنهم
بالظلم البريطاني المؤجل مفضلينه على الظلم المباشر والمعجل
الواقع عليهم من جمال باشا وزبانية عصابة الاتحاد والترقي الق
استلمت الحكم في الدولة العثمانية.
|
| |
|
|