المراوغة البريطانية:
وإن من يقرأ الرسائل المتبادلة بين الحسين و مكماهون التي ظن
الحسين أنها اتفاق يحفظ للعرب حقوقهم ويضمن استقلالهم يكتشف
التناقض الحاد بين سلامة نية الحسين ومكر ومراوغة مكماهون الذي
كان يرد على طلباته الواضحة بعبارات مطاطية مخادعة يخيل
لقارئها أول وهلة أنها تعد بشيء لكنه بعد التمعن بنصوصها يجد
أنها لا تعد بشيء محدود وجازم وأن المكر والمراوغة تتجلى فيها
بأوضح مظاهرها وإن ما جاء في إحدى رسائل مكماهون إلى الشريف
حسين لأكبر دليل على هذه الطريقة المخادعة والمداهنة ونصها هو
التالي : ((إلى الحسيب النسيب سلالة الأشراف وتاج الفخار وفرع
الشجرة المحمدية والدوحة القرشية الأحمدية صاحب المقام الرفيع
والمكانة السامية السيد ابن السيد والشريف ابن الشريف الجليل
المبجل دولتلو الشريف حسين سيد الجميع أمير مكة قبلة العالمين
ومحل رحال المؤملين الطائعين عمت بركته الناس أجمعين . بعد رفع
رسوم وافر التحيات العطرة والتسليمات القلبية الخالصة من كل
شائبة نعرض أن لنا الشرف بتقديم واجب الشكر0 لإظهاركم عاطفة
الإخلاص وشرف الشعور والإحساسات نحو الإنكليز ونحن نؤكد لكم
رغبتنا في استقلال بلاد العرب مع استصوابنا للخلافة العربية
عند إعلانها. وإننا نرحب باسترداد الخلافة إلى يد عربي صميم من
فروع تلك الدوحة النبوية المباركة . أما من خصوص مسألة الحدود
فالمفاوضة فيها تظهر أنها سابقة لأوانها وتصرف الأوقات سدى في
مثل هذه التفاصيل بسبب أن الحرب تدور رحاها)). وعندما ظن
الحسين أنه قد تم الاتفاق بينه وبين الحلفاء, على نيل استقلال
العرب أعلم مكماهون برسالته في 18\2\1916 أنه قد أرسل ابنه
فيصلا إلى دمشق ليتولى قيادة العمليات هناك تنفيذا لهذا
الاتفاق . وهكذا فبعد أن دخل الجيش العربي دمشق بقيادة الأمير
فيصل بن الحسين بتاريخ 1\10\1918 أبلغه الجنرال اللنبي قائد
قوات الحلفاء أنه يعينه رئيسا لإدارة عربية مؤقتة لسورية
الداخلية (دمشق - حمص - حماة - حلب - المنطقة الداخلية وشرق
الأردن ) مستثنيا الساحل السوري وفلسطين ثم نزل الجيش الفرنسي
في لبنان وأصبح فيما بعد الجنرال غورو مفوضا ساميا مقيما في
بيروت عوضا عن بيكو الذي كان مدنيا وكان هذا التبديل في
الإدارة الفرنسية بمثابة استعداد وتهيئة لمهاجمة سورية
والإطاحة باستقلالها ولتطبيق اتفاقية ((سايكس- بيكو)) لكن
المؤتمر السوري رد على هذه الاستعدادات والتهديدات الفرنسية
بإعلان استقلال سورية بحدودها الطبيعية أي سورية ولبنان
وفلسطين والأردن وبتتويج الأمير فيصل ملكا عليها وذلك بتاريخ
8\3\1920 مما دعا الفرنسيين إلى القيام بمهاجمة سورية بجيش لجب
مزود بمختلف الأسلحة وأحدثها.
|