الاستيطان في منطقة السلمية خلال
المرحلة الإسلامية :
وفيما يلي نص مداخلة الباحثة ماري أوديل روسه من المركز
الفرنسي للآثار الشرقية في الندوة الدولية عن سورية الوسطى من
البحر إلى البادية عام 1999وموضوعها: الاستيطان في منطقة
السلمية خلال المرحلة الإسلامية. (( يحاول برنامج الأطراف
الجافة شرح وفهم نماذج الإعمار في منطقة تتميز بظروف طبيعية
خاصة,تجعل الإقامة البشرية فيها صعبة جدا ومنذ عام 1993 سمحت
حملات المسح الأثري باكتشاف مئات المواقع (500) موقع تؤكد وجود
الإنسان سابقا في المنطقة الواقعة بين بحيرة الجبول وسفوح
سلسلة الجبال التدمرية . وقد تمت عملية جمع منظم لكسر فخارية
وصوانية وبخاصة خلال المواسم الخريفية بين1995-1998وتختلف
نماذج السكن بحسب المراحل في منطقة لا تزال حتى اليوم تؤوي
مجموعات مستقرة وأخرى بدوية وثالثة نصف بدوية وتوضح نتائج
البحث إقامة على شكل (مسنن ) مع مراحل مميزة جدا وفراغات بارزة
, وقد عرفت المناطق الواقعة غربي المنطقة المدروسة إقامة أوسع
على عكس المناطق الشرقية حيث لم يتم العثور فيها إلا على بعض
المراحل ,وتدل أسباب تنوع الإقامة المناخية والتاريخية في هذه
المنطقة على التأقلم الكبير للإنسان في وسط صعب يتطلب إمكانية
للسيطرة عليه .
تعتبر المرحلة البيزنطية هي الأكثر تمثيلا في هذه المنطقة فهي
تزامن إقامة نظام زراعي رعوي مميز,فوجود قنوات لري المنطقة
الوسطى وإقامة أماكن واسعة للزراعة والتدجين في منطقة جافة
وتوزيع الأراضي الذي بدأنا نتعرف عليه ,فكل هذا يجعلنا نعتقد
بوجود نظام جماعي متحضر وذي سلطة قوية وعلى علاقة محدودة مع
مدينة الأندرين ( أندرونا ).
تشير مراجع القرون الوسطى ( المتنبي - ابن شداد- أبو الفداء
وياقوت ) إلى أماكن إقامة الأمويين والمدن والمحطات الواقعة
على طريق دمشق - حلب , ودمشق - الرصافة وهي: السلمية , قسطل
,أسريا (سريانا), عين الزرقة وخناصر. ومع ذلك فإن الأعمال
الميدانية تزودنا بمعلومات إضافية حول الإقامة في المنطقة خلال
تلك الفترة وتبين باستمرار جانب من الاستيطان البيزنطي فقد
أقيمت هذه المواقع في كامل المنطقة بجوار أماكن مناسبة للزراعة
كأطراف السهول أو قرب القنوات, وخلال الفترة الإسلامية حدث
انقطاع في الإقامة عدا المواقع الكبيرة أو بعض أحواض القنوات
وعلى عكس المواقع الأموية فإن المواقع العباسية قد تركزت غرب
المنطقة المدروسة أي في منطقة القنوات, ويبدو أنه قد بنيت
تحصينات صغيرة مع خنادق خلال تلك الفترة بقصد حماية تلك
القنوات وهذا يدل على تمسك العباسيين بالحفاظ على أقنية الري.
وبقيت المواشي العائدة للقبائل البدوية الرحل تصل حتى نهر
العاصي في سورية الوسطى, فقد هجر العديد من البلدان والقرى
الواقعة بالقرب من البادية لأكثر من أربعة قرون ونصف وذلك منذ
آخر غزوة مغولية في نهاية القرن الرابع عشر للميلاد,وكان محور
طريق دمشق - حلب يشكل الحد الفاصل بين الأراضي الزراعية إلى
الغرب والبادية إلى الشرق منه ولم يبدأ توسع الأراضي الزراعية
نحو الشرق من العاصي إلا في منتصف القرن التاسع عشر للميلاد
وذلك عندما قامت السلطنة العثمانية بتوسيع مجال سلطتها على
المناطق الهامشية المحصورة بين البادية والمعمورة
والسيطرة على القبائل لزيادة المساحات المزروعة ولتأمين سير
القوافل التجارية كطريق اسطنبول - بغداد أو حلب - الخليج
,ولحماية الحواضر من هجمات القبائل , فنهضت مدينة تدمر وسلمية
من جديد ونشأت قرى عديدة على مواقع أثرية وحلت الأراضي
الزراعية محل المراعي, ورافق ذلك إحياء الأقنية القديمة .
وقد عرفت هذه البادية عبر العصور تمددا وتقلصا حسبما يتنازعها
الفلاحون أو الرعاة فحدودها لم تكن ثابتة أبدا إن كان قديما أو
في العهد العثماني فهي حدود متبدلة تبعا للظروف البشرية , وحسب
قوة السلطة المركزية واستتباب الأمن ويشهد على ذلك العديد من
المواقع الأثرية المسكونة حاليا وغير المسكونة . وقد اكتشف
موقع عام 2001 في المنطقة الهامشية الفاصلة بين البادية
والمعمورة يضم سوية سكن وثلاث طبقات تدل على ثلاث حالات
عمرانية تعود كلها إلى فترة البرونز القديم الرابعة .
|