مدخل:
لم يكن الناس في الجيل السابق لجيلنا أكثر راحة أو أحسن حالا
مما نحن عليه الآن لكنهم كانوا يقينا أكثر سعادة وأهدأ بالا,
وكانوا راضين عن حياتهم قانعين بها والقناعة والرضا هما أساس
السعادة وعمادها. كان آباؤنا أسعد منا على الرغم مما لدينا
الآن من وسائل حضارية مختلفة ومتنوعة ,لم يكن عندهم تلفاز
يثبتهم أمامه بضع ساعات في اليوم ويفرض عليهم برامجه ولو كانت
غثة مبتذلة بل كانوا يهنؤون بالسهرات العائلية حيث الأحاديث
الطلية المحببة أو الطرب الحقيقي الأصيل, و لم يكن بحوزتهم
هاتف يشغل جزءا كبيرا من وقتهم ويجبرهم على دفع فاتورة حسابه
الباهظة الثمن في بعض الأحيان بل كانت ربة البيت تكلم جارتها
إذا احتاجت إلى ذلك إما من النافذة أو من باب المنزل عبر
الزقاق أو أنهما تتواعدان على لقاء قصير يجري على سطحي
منزليهما المتجاورين , تتحدثان خلاله بما تودان, كما لم يكن
تحت تصرف آبائنا سيارات تحرق أموالهم وتستنزفها كحالنا اليوم
بل كانوا يستخدمون أرجلهم في قضاء حاجاتهم أو في نزهاتهم
فيوفرون أموالهم ويحافظون على صحتهم ,أما إذا احتاجوا إلى ركوب
فما أيسر اقتناء حمارة قبرصية بيضاء أو رهوانة تقطع
الطريق خببا أو مهرة جميلة تنهب الأرض نهبا.
كانت العائلة تعيش في بيت واحد ولو تعدد أفرادها: الأب والأم
والأولاد
والأحفاد يجمعهم البيت العربي الرحيب ذو الفناء المكشوف تظلله
عريشة العنب وتفوح في أرجائه روائح الورد والياسمين وأنواع
العراتلى والرياحين, كما كان معظم هذه البيوت تزرع في حديقتها
بعض الأشجار المثمرة كالحمضيات أو الايكي دنيا وغيرها بحيث
تغني أصحابها عن شراء الفاكهة . وكانت الحدائق المنزلية تسقى
من مياه النواعير التي ترفع مياه نهر العاصي التي تصل البيوت
بالحجريات فبالإضافة إلى سقاية الحدائق فقد كانت تغذي فسقيات
البيوت فترطب نوافيرها العالية الأجواء خلال الأيام شديدة الحر
.
أما البيوت البعيدة عن وادي العاصي فتحفر فيها آبار يرشح إليها
الماء من النهر , وكان يستخدم الدلو على كثير من هذه الآبار
لرفع الماء إلى الأعلى بواسطة حبل وحمالة , وقد يسقط الدلو في
البئر خلال عملية رفع الماء و أحيانا يسقط الحبل والدلو معا ,
ومن هنا جاء المثل الشعبي : (الله يلحق الحبل بالدلو) فيستخدم
القاشوش لاخراج الدلو أو الحبل والدلو . والقاشوش هو عبارة عن
مجموعة من الكلاليب المعدنية معلقة بسلسلة حديدية يدلى هذا
الجهاز إلى أسفل البئر حيث استقر الدلو ويحرك بجميع الاتجاهات
إلى أن تعلق الكلاليب بالدلو وعند ذلك يرفع إلى أعلى البئر .
|