مدخل :
لم تذكر حماة إلا وقرن اسمها بالعاصي ونواعيره لأن هذا النهر
وهذه النواعير هي أسباب حياة حماة ء ولولاها لما وجدت بساتينها
الوارفة وروضاتها الدائمة ودوحاتها الباسقة وطيورها المغردة
على أفنانها, ولما كانت لها مسحة الجمال ووفرة الخضرة وعذوبة
الطقس . قال الله تعالى : { وجعلنا من الماء كل شيء حي} .
صدق الله العظيم
وقال الشاعر :
ثلاثة تنفي عن القلب الحزن الماء والخضراء والشكل الحسن
أما النواعير التي تعزف سيمفونيتها الرائعة ذات الأنغام
الخالدة متناغمة مع شدو البلابل وزقزقة العصافير فتطرب بها
النفوس وتطمئن لها القلوب وتتفتح بنغماتها المكنونات القرائح
وتتفجر بها إلهامات الأدباء والشعراء والفنانين .
ولا يقتصر جمال الطبيعة على البساتين والروضات الواقعة داخل
المدينة فحسب بل إن هذه الخمائل والجنات تمتد على طول مجرى
العاصي من الرستن جنوبا حتى شيزر والعشارنة شمال غربي حماة .
كما أن المنطقة الواقعة إلى الغرب من حماة والتابعة لها هي من
أجل تلك البقاع الطبيعية فلسفوح الشرقية لجبال الساحل ذات خضرة
دائمة خلال جميع فصول السنة لغزارة أمطارها ولوجود أعداد وفيرة
فيها من الينابيع التي تغذيها هذه الجبال مثل وادي العيون وعين
الكروم والوراقة وأبو قبيس وغيرها. وجميع هذه الينابيع ترفد
العاصي بعد أن تهب الحياة والجمال لتلك الروضات اليانعات
وتكسبها روعة وسحرا وعذوبة .
أما غابات البلعاس الواقعة إلى الشرق من حماة فهي واحة خضراء
وسط منطقة جرداء وذلك لأنها اعتبرت منطقة محمية لا يحق قطع
أشجارها بعد أن كادت تقضي عليها بلطات الحطابين التي عملت على
إبادتها ردحا من الزمن فعادت الآن الحياة إلى أشجار البطم
الكثيفة التي تتألف منها تلك الغابة الجميلة ليكتمل بها سحر
وادي العاصي وروعة منطقة حماة الغربية
قال محمد كرد علي مؤسس مجمع اللغة العربية لأحمد شوقي خلال
زيارتهما حماة عام (1938) ((إن نصف حماة شعراء)) وبعد أن جاس
الاثنان خلالها قال له شوقي ((العجيب ألا يكون النصف الآخر من
أهل حماة )) شعراء.
وإن الآثار الفنية الرائعة والأوابد العمرانية المرموقة التي
ما زالت ظاهرة للعيان أو التي أظهرتها التنقيبات الأثرية من
باطن الأرض في مدينة حماة نفسها أو في المناطق المحيطة بوادي
العاصي والمعروضة في متحف حماة وأفاميا ودمشق أو في المتاحف
الأجنبية لهي دليل قاطع ومؤشر واضح على إبداع سكان هذه البقعة
وعلى نمو وعلو حسهم الفني ولا مراء في أن جمال الطبيعة قد كان
له دور كبير في شحذ عبقريات وكفاءات الفنانين الذين أنتجوا هذه
الآثار الرائعة بل والخالدة على مر الزمن .
ولم يمر بحماة رحالة أو زائر أو سائح إلا وذكر عاصيها وتغنى
بنواعيرها وامتدح حسن مناظرها وطيب هوائها وعذوبة مائها علاوة
على من كتب عن ذلك نثرا أو شعرا من سكانها أو من خارجها قديما
وحديثا. فها هو ذا أبو الفداء ملك حماة يقول عنها في كتابه
((المختصر في أخبار البشر)) ((ليس بالممالك الشامية بعد دمشق
لها نظير)) وشبهها ابن سعيد الأندلسي بالمدن الأندلسية فقال
عنها: (( لم أر ما يشبه رونق الأندلس في مياهها وأشجارها إلا
مدينة فاس بالمغرب الأقصى ومدينة دمشق بالشام , وفي حماة مسحة
أندلسية )) .
وقال عنها الرحالة الأندلسي ابن جبير(( حماة مدينة شهيرة في
البلدان , قديمة الصحبة للزمان , لا يهش البصر إليها, عند
الإطلال عليها, كأنها تكن بهجتها وتخفيها, فتجد حسنها كامنا
فيها حتى إذا جست خلالها ونقرت ظلالها, أبصرت بشرقيها نهرا
كبيرا تتسع في تدفقه أساليبه وتتناظر بشطيه دواليبه , قد
انتظمت في طريقه بساتين تنهال أغصانها عليه , وتلوح خضرتها
عذارا بصفيحته , ينسرب في ظلالها, وينساب على سمت اعتدالها ))
أما ابن بطوطة الرحالة المغربي فقد ذكرها في تقريره عن رحلته
الكبرى الذي سماه (( تحفة النظار في غرائب الأمصار)) بقوله :
(( حماة هي إحدى أمهات الشام الرفيعة ومدائنها البديعة ذات
الحسن الرائق والجمال الفائق , تحفها البساتين والجنات , عليها
النواعير كالأفلاك الدائرات , يشقها النهر العظيم المسمى
بالعاصي )) .
وكتب الشاعر شفيق جبري عنها نثرا كأنه الشعر قال: (( إن حماة
هي مدينة الموسيقى والأحلام , فمن مسافة إلى مسافة تشاهد
دواليب ضخمة تحمل ماءها لتسقي به الجنان ,فكأنما نغمات موسيقية
تخرج من هذه الدواليب الهادرة , الشعر يفيض من كل ناحية من
نواحي حماة , من أنين مائها وحفيف صفصافها وثغاء مواشيها, ما
أرغد المعيشة في مدن الشعر)) .
أكثر الشعراء الحمويون وغيرهم ممن زار حماة منهم , من ذكر
الناعورة في قصائدهم , وأفاضوا في وصفها والإعجاب بحركاتها
وبدورانها وبجمال صوتها وبالخدمات الجلى التي تقدمها للمدينة
وسكانها,لكنهم نسوا العاصي الذي هو أساس وجودها والذي يؤويها
ويسيرها, والذي لولاه لما كان لها وجود, أو أن هؤلاء الشعراء
تطرقوا إلى ذكر العاصي في قصائدهم , ولكن في معرض حديثهم عن
النواعير أو عن حماة وروضاتها وبساتينها التي ترويها النواعير.
وكلما جاس خلال حماة شاعر استحوذت هذه النواعير على إعجابه
وجذبت أنظاره إليها وملكت لبه ووجدانه , فتتوجه إليها محاسن
أوصافه ويهمل عاصيها. والواقع أن الأنهار كثيرة في هذا العالم
, أما النواعير فليس لها وجود إلا على هذا العاصي الوقور,فبدر
الدين الحامد الملقب(( شاعر العاصي )) لم ينظم بهذا النهر الذي
يكنى به قصيدة واحدة أفرده بها إنما أتى على ذكر العاصي في
بقية قصائده عرضا وفي سياق كلامه عن النواعير أو عن حماة
نفسها.
كان نهر العاصي يسمى ((أورونتس )) قبل دخول العرب إلى بلاد
الشام أي النهر الشرقي, ولا زالت تسميته عند الغربيين حتى الآن
((أورونت )) . وصار العرب يلفظون هذه التسمية ((أورونط ))
أو((أوروند)) قال البحتري :
وكم قطعت نهر ا لأوروند إليهم كتائب تزجى فيلقا بعد فيلق
وقال عبد الرزاق الجندي :
وروض أريض قد ألفنا عشية تجمع فيه الأنس من كل جانب
جرى تحته النهر الأرنط كأنه يقول لباغي البسط هيا لجانبي
أما المعري فأشار إليه على أنه غر الميماس:
فإن كنت ذا لب مكين فلا تقس بحمصك والميماس دجلة والكرخا
كما كان يطلق عليه البعض اسم النهر المقلوب لأنه ينبع من
الجنوب ويسير شمالا حتى مصبه على عكس باقي الأنهار في المنطقة
التي تنبع من الشمال وتسير جنوبا. لكن تسميته بالعاصي هي التي
غلبت , وتعزى تسميته بذلك إلى صعوبة السقاية منه لأنه يسير في
واد عميق ,بينما الأراضي المحيطة مرتفعة عن مستواه لذا أوجد
السكان الأقدمون النواعير التي حلت مشكلة السقاية والارواء
بطريقة يسيرة وغير مكلفة .
|